المحقق البحراني
247
الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية
وبالجملة ، فإن الادراك واللذة إنما [ يقومان ] ( 1 ) بالروح وإن كان بواسطة الآلات كما أشرنا إليه آنفا ، وإن تشخص الشخص إنما هو بتلك الأجزاء الأصلية ، ولذلك يقال للشخص من الصبا إلى الشيخوخة : إنه هو هو بعينه وإن تبدّلت الصورة والهيئات ، بل كثير من الأعضاء والآلات ، ولا يقال لمن جنى في الشباب فعوقب في المشيب : إنها عقوبة لغير الجاني ؛ باعتبار تبدّل الصورة والآلات والهيئات من الحالة الأولى إلى الحالة الأخيرة . فعلى هذا يقال : إن المعاد في الآخرة هو الشخص الذي كان في الدنيا بعينه وشخصه ، وهذه العينيّة والشخصيّة - كما عرفت - راجعة إلى أجزاء الروح مع تلك الأجزاء الأصليّة . وعلى هذا تتلاءم الأخبار والآيات والدلائل الدالة على أن المعاد في الآخرة هو عين هذا الجسم ، كقوله سبحانه * ( قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ ) * ( 2 ) . والدالة على أنه مثله ، كقوله تعالى * ( وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ . عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ ونُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ ) * ( 3 ) ، إلى غير ذلك . وبه تندفع جملة من الإشكالات الموردة في المقام ، ومنها أنه لو قلنا باستحالة إعادة المعدوم ، فإنه يبطل القول بالمعاد ، بمعنى جمع الأجزاء المتفرقة أيضا ؛ لأنّ أجزاء بدن الشخص كبدن زيد مثلا لا يكون بدن زيد إلَّا بشرط اجتماع خاصّ وشكل معيّن ، فإذا تفرّقت أجزاؤه وانتفى الاجتماع والتشكل المعيّنان لم يبق بدن زيد ، ثمّ إذا أعيد ؛ فإمّا أن يعاد ذلك الاجتماع والتشكل بعينهما ، أو لا . وعلى الأوّل يلزم إعادة المعدوم ، وعلى الثاني لا يكون المعاد بعينه هو البدن الأوّل ، بل مثله ، وحينئذ يكون تناسخا . ومن ثمّ قيل : ما من مذهب إلَّا وللتناسخ فيه قدم راسخ ( 4 ) .
--> ( 1 ) في النسختين : يقوم . ( 2 ) يس : 79 . ( 3 ) الواقعة : 60 - 61 . ( 4 ) بحار الأنوار 7 : 49 .